الموقع الأول في العالم العربي لعشاق القهوة وكل ما يتعلق بها
القهوة العربية في فلسطين - القهوة العربية في فلسطين 2
حقائق ومعلومات

القهوة العربية في فلسطين

كانت القهوة العربية في فلسطين هي المشروب الشعبي السائد، اما الشاي المحلى بالسكّر فهو مشروب دخيل جاء الى فلسطين في اواخر العهد التركي، ولم يتناوله آنذاك الا الضيوف الكبار من مسؤولي الحكومة، والزعماء وكبار الشخصيات والوجهاء، وبعض الشخصيات الهامة في البلاد مثل القناصل ووجهاء البلاد، والموسرين من التجار واصحاب الاملاك. فالشاي حتى حلول الانتداب البريطاني على فلسطين كان مشروب النخبة، ولم يشربه عامة الناس، حتى احضره الانجليز من خلال شركة الهند الشرقية، التي كانت تسيطر على مزارع الشاي في مستعمرات بريطانيا في الهند وسريلانكا.

كما ان السكر كان نادرا في اوائل القرن الماضي، حيث عُرف السكر على شكل قطع كبيرة، ثم عرف بعدها على شكل مكعبات. وخلال الحرب العالمية الثانية عرف الناس السكر الأحمر (وهو السكر غير المكرر، ويكون ارخص من السكر الابيض). كما كانت وكالة الغوث توزع السكر الاحمر على اللاجئين الفلسطينيين بعد حرب عام 1948م.

تاريخ القهوة العربية في فلسطين

اما القهوة فقد عرفها أهل فلسطين منذ القرن العاشر الهجري، من خلال الحجاج الذين كانوا يحضرونها معهم من بلاد الحجاز. ويقال ان الموطن الأصلي للقهوة هو جنوب غرب الحبشة (إثيوبيا)، وقد انتقل هذا المشروب من الحبشة إلى اليمن عن طريق التجار، وبدأ بعض اليمنيين بزراعة شجرة القهوة، بسبب انتشار شربها بين الطبقة العليا في اليمن، ومن اليمن انتقلت القهوة إلى مكة، ومنها الى باقي الدول العربية والاسلامية. وبحلول القرن السادس عشر، كانت القهوة قد وصلت الى اروروبا ومنها انتقلت الى الامريكتين عن طريق المستكشفين البرتغال والاسبان، وزرعها الهولنديون في وقت لاحق في جاوة وسيلان.

وقد عارض رجال الدين في مكة القهوة معارضة شديدة، وأصدر بعضهم الفتاوى التي تحرمها فيها، واعتبروها من جنس المنشطات، وقالوا إنها تسبب العلل في الأبدان والضعف في العقول، واقيم الحد الشرعي على شاربها وبائعها. وظهرت القهوة لاول مرة في مصر في مطلع القرن العاشر الهجري، جلبها اليمانيون إلى رواقهم في الجامع الأزهر، وكان طلاب اليمن وما جاورهم في الرواق اليمني يسهرون للدراسة، وترديد الأذكار وينشدون المدائح النبوية، ويستعينون على مغالبة النعاس بشرب القهوة. ولقيت القهوة ايضا معارضة من علماء مصر، وأصدر بعضهم فتاوى تحرمها. واختلف العلماء في أوائل القرن العاشر الهجري في القهوة، حتى ذهب البعض الى تحريمها، لاعتقادهم انها مضرّة بالعقل والبدن. وفي فترة لاحقة اجمع العلماء على أنها مباحة، ومن بعد ذلك أصبحت القهوة العربية المشروب الشعبي المفضّل، ورمز الضيافة والكرم العربي الاصيل.

وكان العرب أول من قاموا بتحميص بذور القهوة وطحنها وغليها وشربها ساخنة، على غرار الطريقة التي تتم بها اليوم.

وقد استمدت القهوة العربية مكانتها الرفيعة من تقاليد وأعراف متوارثة، فأصبحت جزءا من تاريخ وحضارة المجتمع العربي، بمختلف مستوياته وشرائحه الاجتماعية، ولها معنىً خاصا في المجتمع العربي، وتحتل مكاناً بارزاً في مجالسهم، باعتبارها رمزاً للجود والكرم وحسن الضيافة، وتحظى بأفضلية معنوية لا يضاهيها أي مشروب آخر سواها.

وقد ارتبطت القهوة العربية في فلسطين بمختلف شؤون الحياة الاجتماعية للناس، وشربها عادة اجتماعية تنطوي على رموز ومعانٍ بالغة في الأهمية في حياتهم، فهي مرآة تعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية بينهم، وهي التي تكشف عن القيم السائدة عندهم بطريقة عفوية وتلقائية، وهي أداة للتعبير عن مشاعرهم في مناسبات عديدة، وهي المحور الذي تدور عليه حياتهم اليومية، وهي مفتاح خير لحل كل الخلافات، وفض المنازعات والخصومات بين الناس.
 فكم من المشاكل التي استعصت عن الحل تم حلها عن طريق فنجان قهوة، وكم من قضية زواج قوبلت بالرفض، تم تذليلها عن طريق فنجان قهوة، وكم من قضية قتل او اعتداء استعصت على الحل تم التغلّب عليها عن طريق فنجان قهوة. فالقهوة ليست مجرد شراب يتناوله الناس، انما ترتبط بمختلف شؤون حياتهم الاجتماعية، على الرغم من التطورات والتغيرات الحضارية والثقافية التي طرأت على المجتمع.

وللقهوة العربية طقوس وتقاليد وأعراف متوارثة عبر مئات السنين، لا يجوز تجاوزها أو التمرد عليها. وتشتمل هذه الطقوس والأعراف على أسلوب تقديم القهوة وطريقة اعدادها والأدوات المستعملة لإعدادها وطريقة شربها. وتحتاج صناعة القهوة واعدادها للشرب إلى مهارة فائقة من معدِّها. وتقديم القهوة يعتبر ركناً أساسياً من اركان الضيافة العربية، ورمزا من رموز الكَرَم عند العرب، فتقديمها للزائر إشارة تكريم واحترام وتقدير، وقد حظيت بالاحترام عند معدّيها وشاربيها على حدٍّ سواء.

ويمكن الاكتفاء بإكرام الضيف بعدة فناجين من القهوة، ولكن من العيب ان يكرم الضيف بمائدة عامرة بدون قهوة، حتى ان العربي لا يعتبر ان مضيفه اكرمه ان لم يقدم له القهوة، وان نحر له الذبائح، وقدم له ما لذ وطاب من طعام وشراب، فللقهوة أهمية لا يحظى بها أي مشروب آخر سواها، ومن هنا تنبع أهميتها وقيمتها، فنرى العربي يحيطها بهالةٍ من التبجيل والاحترام، ويرى فيها ما يدلّ على العزّة والأصالة، ولا يكاد يخلو منها بيتٌ من البيوت، ومن لا يشرب القهوة ولا يصنعها في بيته لا يُعدّ من أهل المروءة والكرم.

ومن قواعد وأصول تقديم وشرب القهوة ان يقوم المضيف قبل تقديم القهوة لضيوفه، بشرب الفنجان الأول ليرى إذا كانت جاهزة للتقديم. ويمسك بالدلة بيده اليسرى والفناجين بيده اليمنى، وان يقف احتراما وتقديرا للضيف، ثم ينحني قليلاً أمام الضيف عند صبّ القهوة، ثم يمد الفنجان للضيف بيده اليمنى، مع مراعاة مسك الفنجان من الوسط والأسفل لإتاحة المكان الأعلى من الفنجان، لكي يمسك به الضيف، ويقول لمن يقدم له: تفضل. وعلى الضيف أن يصحح جلسته، اذا كان متكئاً وان يتناول فنجان القهوة بيده اليمنى لا باليسرى. ويبدأ المُضيف بصب القهوة وتقديمها للضّيوف بالدور من اليمين عملاً بالسّنة الشريفة. وقد يقدم القهوة لأكبر الناس سنا وأكثرهم قدرا ووجاهة احتراما، ثم الى من هم اصغر منهم سنا ووجاهة، حتّى ينتهي جميع الحاضرين من شرب القهوة. وإذا أراد شخصا ان يكرم رجلا مسنا او وجيها بان يطلب من المضيف ان يقدم له القهوة قبله، فيقوم بالتقديم له، الا اذا اعترض ذلك الرجل قائلا “دور غانمين”، أي ان تقدم القهوة بالدور من اليمين. وتقدم القهوة أولا للرجال ثم للنساء اذا كانت جلسة عائلية مختلطة. كما ان تقديم مشروب القهوة في حال قدوم الضيوف إلى البيت مباشرة دلالة على أن الضيوف غير مرغوب فيهم أن يطيلوا مدة الزيارة.‏ واذا اضطر اهل البيت الى تقديم القهوة للضيوف في الحال فيبادروا الى القول وهم يقدمون القهوة: “هذه قهوة اهلا وسهلا”، لازالة الحرج عن الضيف، وانه ضيف مرغوب فيه.

ويجب ان لا يصب القهوة أحد الضيوف، أو الأب والابن موجود، أو الأخ الأكبر في وجود أصغر منه من أخوته، وأن لا يصب القهوة الكبير في وجود من هو أصغر منه سناً.

ومن مهارةُ صبّ القهوة أيضًا أن تحدِثَ صوتًا خفيفًا نتيجة ملامسة الفنجان للدلّة، ويُقصَد بهذه الحركة تنبيه الضّيف إذا كان سارحًا.. ويجب صب القليل من القهوة، وان لا تتجاوز ثلث الفنجان. وملء الفنجان كاملا او وضع قدر ضئيل اشارة الى عدم الترحيب بالضيف.

كما ان من مهارة شرب القهوة أن يحرّك الشّارب الفنجان يميناً وشمالاً حتّى تبرّد القهوة، ثم ارتشافها بسرعة. ويُستحسن احيانا إضافة فنجانٍ آخرٍ للضّيف في حال انتهائه من شرب الاول، وفنجان ثالث بعد شربه الثاني، ما لم يرفع الضيف كفه اليمنى، إشارة الى الاكتفاء، او يضع أصابع يده اليمنى فوق فوهة الفنجان، او يهَزّ الفنجان بعد شربه هزة خفيفة يمينا وشمالاً عدة مرات، وهو بين السبابة والإبهام، إشارة إلى اكتفائه منها. ولا يجوز وضع الفنجان على الأرض قبل الشرب ولا بعده.

ويسمى الفنجان الاول عند البدو فنجان الضيف، والثاني فنجان الكيف، والثالث فنجان السيف. ويصبح لزاما على الضيف اذا شرب الفنجان الثالث ان يدافع عن القبيلة التي شرب عندها القهوة، اذا ما تعرضت لاي اعتداء، لانه بشربه قهوتهم يصبح واحدا منهم. كما جرت العادة -في البادية خاصة- انه إذا التجأ أحدهم الى قبيلة ما، وتناول قهوتهم، فإنه بذلك يصبح في حمايتهم، حتى ولو كان جانيا.

ومع ارتشاف فنجان القهوة، تتآلف النفوس، وتستيقظ المشاعر، وترق الأحاسيس، وعلى رائحتها الطيبة تطيب الأحاديث، وتحلو الأشعار. وإذا كان لأحدهم طلب عند شيخ العشيرة أو المُضيف، كان يضع فنجانه على الأرض ولا يشربه، فيلاحظ ذلك المُضيف أو شيخ العشيرة او وجيه الديوان، فيُبادره بالسؤال: ما حاجتك؟ فإذا قضاها له، أَمَره بشرب قهوته اعتزازًا بنفسه. وأصحاب الحقوق عادةً يحترمون هذه العادات فلا يبالغون في المطالب التّعجيزية، ولا يطلبون ما يستحيل تحقيقه، ولكلّ مقام مقال!

فأصبحت القهوة بفناجينها البيضاء ودلتها النحاسية اللامعة الحكم الاجتماعي الحاسم لكل القضايا والخلافات مهما عظم مصابها أو كبر جرمها، فعكست برفضها عارا على صاحبها، وحملت بقبولها شيم التسامح والشهامة والنخوة والكرم، وأصبحت بوجودها رمزا للبشرى والخير والوفاء والوئام.

اكتب تعليقك